تفسير القرآن للشيخ محمد متولي الشعرواي

من فضلك اختر السورة ثم الآية لعرض تفسير الآية من القائمة المنسدلة

  السورة:        الآية:  

تفسير سورة الإسراء - الآية: 36

(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً "36" )
وإن كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن بهذا الترتيب، السمع أولاً، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان بمجرد أن يولد تعمل عنده حاسة السمع، أما البصر فإنه يتخلف عن السمع لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة.
الأخرى: أن السمع هو الحاسة الوحيدة التي تؤدي مهمتها حتى حال النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من النوم.
وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم وعطل حاسة السمع لديهم، وإلا لما تمكنوا من النوم الطويل، ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى:

{فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً "11" }
(سورة الكهف)


ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي:

{ربنا أبصرنا وسمعنا .. "12"}
(سورة السجدة)


والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس من هولها فيقولون:

{ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً "12"}
(سورة السجدة)


لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا. فالسمع أول الحواس، وهو أهمها في إدراك المعلومات، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة سمع قبل أن يقرأ، فتعلم أولاً بالسماع ألف باء، فالسمع أولاً في التعلم، ثم يأتي دور البصر. والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه:

{وجعل لكم السمع والأبصار .. "9"}
(سورة السجدة)


إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديد عنها جاءت:

{إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا "36"}
(سورة الإسراء)


لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟
وقبل أن نوضح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى، ومادام المتكلم هو الله فلابد أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها، بليغة في سياقها.
فالسمع جاء بصيغة الإفراد؛ لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة للسامع، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعاً، فهو واحد في جميع الآذان.
أما البصر فهو خلاف ذلك؛ لأن أمامنا الآن مرائي متعددة ومناظر مختلفة، فأنت ترى شيئاً، وأنا أرى شيئاً آخر، فوحدة السمع لا تنطبق على البصر؛ لذلك أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع.
أما في قوله تعالى:

{إن السمع والبصر .. "36" }
(سورة الإسراء)


فقد ورد البصر هنا مفرداً؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية، مسئولية كل إنسان عن سمعه وبصره، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يسأل أحد عن أحد، بل يسأل عن نفسه فحسب، فناسب ذلك أن يقول: السمع والبصر؛ لأنه سيسأل عن بصر واحد وهو بصره.
فالإنسان ـ إذن ـ مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده من حيث التلقي، تلقي القضايا العلمية التي سنسير عليها في حركة حياتنا، وكذلك من حيث الإعطاء، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للأذن: لا تسمعي إلا خيراً، ولا تتلقي إلا طيباً، ويا مربي النشء لا تسمعه إلا ما يدعو إلى فضيلة، ولا تعط لأذنه إلا ما يصلح حياته ويثريها.
ويقول للعين: لا تري إلا الحلال لا يهيج غرائزك إلى الشهوات، ويا مربي النشء احجب عنه ما يثير الغرائز ويفسد الحياة؛ وبذلك نربي في المجتمع المعلومات الصحيحة التي تنبني عليها حركة حياته.
ومادمت مسئولاً عن أعضائك هذه المسئولية، ومحاسباً عنها، فإياك أن تقول: سمعت وأنت لم تسمع، وإياك أن تقول: رأيت وأنت لم تر، إياك أن تتعرض لشهادة تدلي فيها بغير ما تعلم وتتيقن. أو تتبنى قضية خاطئة وتبني عليها حركة حياتك؛ لأن المبني على مقدمات فاسدة ينتج عنه نتائج فاسدة، وما بني على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة.
وجماع هذا كله في قوله تعالى:

{ولا تقف ما ليس لك به علم .. "36"}
(سورة الإسراء)


لماذا؟ لأنك محاسب على علمك هذا وعلى وسائل إدراكه لديك:

{إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا "36" }
(سورة الإسراء)


ثم يقول الحق سبحانه:
الصفحات: 1 - 2 - 3
حمل تطبيق نور الله
سجل في النشرة الاخبارية في نور الله
أخبار المسلمين
خلال 30 أيام
خلال 7 أيام
اليوم